صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
11
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أبان اللّه لخلقه من فرضه على رسوله اتّباع ما أوحي إليه وما شهد له به من اتّباع ما أمر به ، وأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم هاد لمن اتّبعه . ثمّ ساق الآيات الدّالّة على هذه المعاني ومنها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( الأحزاب / 1 ، 2 ) . وقوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( الجاثية / 18 ) ثمّ قال - رحمه اللّه تعالى - : وما سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ليس للّه فيه حكم فبحكم اللّه سنّة ، وكذلك أخبرنا اللّه في قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ . وقد سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع كتاب اللّه ، وسنّ فيما ليس فيه بعينه نصّ كتاب ، وكلّ ما سنّ فقد ألزمنا اللّه اتّباعه ، وجعل في اتّباعه طاعته ، وفي العنود « 1 » عن اتّباعه معصيته الّتي لم يعذر بها خلقا ، ولم يجعل له من اتّباع سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مخرجا للآيات المذكورة . ولقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ألفينّ أحدكم متّكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ، ممّا أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول لا أدري ، ما وجدنا في كتاب اللّه اتّبعناه » ، وسنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع كتاب اللّه وجهان : أحدهما نصّ كتاب ، فاتّبعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أنزله اللّه ، والآخر جملة بيّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه عن اللّه معنى ما أراد بالجملة ، وأوضح كيف فرضها عامّا أو خاصّا ، وكيف أراد أن يأتي به العباد . وكلاهما اتّبع فيه كتاب اللّه . فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أنّ سنن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من ثلاثة وجوه ، فاجتمعوا منها على وجهين : أحدهما ما أنزل اللّه فيه نصّ كتاب فبيّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ما نصّ الكتاب . والآخر ممّا أنزل اللّه فيه جملة كتاب ، فبيّن عن اللّه معنى ما أراد . وهذان الوجهان اللّذان لم يختلفوا فيهما . والوجه الثّالث ( المختلف فيه ) ما سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ليس فيه نصّ كتاب . فمنهم من قال : جعل اللّه له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه ، أن يسنّ فيما ليس فيه نصّ كتاب . ومنهم من قال : لم يسنّ سنّة قطّ إلّا ولها أصل في الكتاب ، كما كانت سنّته لتبيين عدد الصّلاة وعملها على أصل جملة فرض الصّلاة ، وكذلك ما سنّ من البيوع وغيرها من الشّرائع ؛ لأنّ اللّه قال : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ * ( النساء / 29 ) وقال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ( البقرة / 275 ) ما أحلّ وحرّم فإنّما بيّن فيه عن اللّه كما بيّن الصّلاة . ومنهم من قال : بل جاءته به رسالة اللّه فأثبتت سنّته بفرض اللّه . ومنهم من قال : ألقي في روعه « 2 » كلّ ما سنّ ( وسنّته الحكمة ) : الّذي ألقي في روعه عن اللّه ، فكان ما ألقي في روعه سنّته . وأيّ هذا كان ، فقد بيّن اللّه أنّه فرض فيه طاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف
--> ( 1 ) العنود : العتو والطغيان أو الميل والانحراف . ( 2 ) الرّوع : بضم الراء بعدها واو ساكنة القلب والعقل .